إخوان الصفاء
69
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
اللّه تعالى ! من ذلك توكّل الصبيان على آبائهم فيما يحتاجون إليه من الطعام والشراب واللباس وغيرها من الحاجات ، فهم طول النهار مشغولون باللعب لا يفكّرون في أمر المعاش ، ولا يهمهم طلبه لاتكالهم على آبائهم وقلوبهم ساكنة ونفوسهم هادئة ليقينهم بآبائهم . وهكذا العبيد مشغولون بخدمة مواليهم لا يفكّرون في طلب المعاش اتكالا على مواليهم فيما يحتاجون إليه . وهكذا جنود السلطان وخدمه لا يفكّرون في طلب المعاش اتكالا على السلطان في أرزاقهم المفروضة لهم فهم مشغولون في خدمة سلطانهم . وأما غير هؤلاء من الناس فهم طائفتان : الأغنياء والفقراء ، فأما الأغنياء فاتكالهم على ذخائرهم وأموالهم ، وقلوبهم ساكنة ونفوسهم هادئة ، ولكن الحرص والرغبة في الزيادة يحثّانهم على الطلب ، وهم في الطلب متوكلون على رأس أموالهم وصرفهم وحذقهم بالبيع والشراء في طلب الربح . وأما الفقراء فهم الصّنّاع والذين يعملون بأبدانهم واتّكالهم على صناعتهم وقوة أبدانهم . وأما المكدّون « 1 » فاتكالهم على الناس في مواساتهم من فضل ما في أيديهم ، فبهذا الاعتبار لا تجد أحدا متوكّلا على اللّه حقّ التوكل إلّا الأنبياء وصالحي المؤمنين ، وذلك أن الأنبياء قبل أن يوحى إليهم يكونون كأحد أبناء الدنيا في طلب المعيشة ، حتى إذا جاءهم الوحي والنبوة ، تركوا طلب المعاش ، واشتغلوا بتبليغ الرسالة ، وتوكلوا على اللّه فيما يحتاجون إليه من عرض هذه الدنيا ، وتيقنوا به ، عزّ وجل ، واطمأنت نفوسهم ، لأنهم يعلمون ويتيقنون بأن مرسلهم يكفيهم ما يحتاجون إليه في طاعتهم إذا اشتغلوا بخدمته ، كما أن الملوك يكفون جنودهم ما يحتاجون إليه في طاعتهم لهم ، وكما أن الموالي يكفون عبيدهم ما يحتاجون إليه في طاعتهم لهم ، وهكذا المؤمنون المحقّقون الذين هم ورثة الأنبياء يقتدون بهم ، ويسلكون مسلكهم فيما دلّهم اللّه
--> ( 1 ) المكدّون : المتسولون .